الخميس، 22 نوفمبر 2012

القطبية ... والتوحد ماهما هذان المفهومان بالنسبة للكيان الانساني




ما القطبية ... وما التوحد ... كيف نفهم من نكون ...
 
تنشطر الوحدة في الوعي البشري قطبياً ، والقطبان يكملان بعضهما وبالتالي يحتاج كل منهما في وجوده إلى قطبه المقابل ، والميزة التي تقدمها لنا القطبية هي القدرة على المعرفة ، والتي هي غير ممكنة لولا القطبية ، وغاية الوعي القطبي وتوقه ، هو التغلب على حالة عدم السلامة التي يعاني منها ، والمشروطة بالزمن ، وأن يغدو ثانية سالماً أو كاملاً ، حيث في نطاق القطبية لا وجود لخير أو لشر مطلق ، لا وجود لصواب أو لخطاً مطلق ، كل تقييم يتعلق بوجهة نظر الناظر ، ولذا فهو صحيح دائماً بالنسبة إليه ، وثنائية الأضداد التي لا تعرف المهادنة مثل الصواب والخطأ لا تخرجنا من القطبية ، بل تزيدنا استغراقاً فيها
الخير والشر بمفهوم القطبية ليس بينهما أي تناقض ، إذ أن الشر كرسي عرش الخير ، فالخير والشر وجهان للوحدة ذاتها ، ولذا يتوقف وجود كل منهما على وجود الآخر ، من يغذي الخير عمداً يغذي الشر أيضاً دون أن يدري
كل قطب يعيش من وجود القطب المضاد له لأننا إذا قبضنا على أحد الطورين ، يختفي الطور الآخر أيضاً ، وهكذا التنفس ، فهو إيقاع ، والإيقاع أساس كل حياة ، كل محاولة للتمسك بأحد القطبين دون الآخر تقود إلى الركود وإلى الموت ، أما الثابت ألا متغير والكائن أبداً فنجده فيما وراء القطبية
يغدو البشر بصيرين بالقطبية وبأمكانهم التمييز بين الخير والشر وبهذه الخطوة يخسرون الوحدة للوعي الكوني ويظفرون بالقطبية ( القدرة على المعرفة ) وهكذا يجب عليهم مغادرة الفردوس جنة الوحدة ، ليهووا إلى العالم القطبي للأشكال المادية ، هذا الموضوع المركزي للبشرية تعرفه كل الشعوب وجميع العصور وتصوغه في صور متشابهة ، وتنحصر خطيئة الإنسان في الخروج عن الوحدة وأخطاء الوحدة ، فجميع الأديان مثلاً ، لم يقم بأية محاولة لتحويل هذا العالم إلى فردوس ، إنما علموا السبيل الذي يقود من هذا العالم إلى الوحدة ، والفلسفة الحقيقية تعلم أن ليس بإمكان المرء في عالم قطبي تحقيق أحد القطبين فقط ، يجب على كل إنسان في هذا العالم أن يوازن كل هناء بالقدر نفسه من الشقاء ، إن كل استخدام وظيفي للإمكانات البشرية فيه شيء شيطاني دوماً ، إذ أن الاستخدام يقيد الطاقة إلى القطبية ويمنع التوحد ، والصراع الذي غالباً ما يستشهد به بين قوى النور وقوى الظلام ليس صراعاً حقيقياً ، إذ أن الخاتمة معروفة دوماً ، فالظلام لا يمكنه النيل من النور ، ولكن النور يحول الظلام إلى نور ، لذلك يضطر الظلام إلى تحاشي النور ، إن هو أراد لوجوده أن لا ينكشف
دعوة الموت تقول لنا دائماً : تخلص من وهم الزمن ، تخلص من وهم الأنا ، فالموت عرض ، لأنه تعبير عن القطبية ، وهو قابل للشفاء ، شأنه شأن كل عرض ... عن طريق التوحد 
ما لم يستوعبه المرء حتى موته سيصطحبه الوعي معه بوصفه مشكلة ، إلى التجسد التالي 
كلما قل التمايز وبالتالي الانغماس في القطبية انخفض الاستعداد للمرض ، كلما كان الكائن الحي أكثر تطوراً وتورطاً في القطبية ، وبالتالي في القدرة على المعرفة ، كان أكثر استعداداً للمرض ، والإنسان هو أشد أشكال القدرة على المعرفة تطوراً ، وبالتالي الأشد معايشة لتوتر القطبية ، ووفقاً لذلك يجد المرض أيضاً أقصى معانيه في مجال الانسان 
لا تتوحد الأضداد من تلقاء نفسها ، لا بد لنا من أن نعيشها بشكل فاعل كي ندخلها أولاً في ملكيتنا ، إذا دمجنا كلا القطبين ، يكون من الممكن عندئذ إيجاد الوسط والشروع انطلاقاً منه في عملية توحيد الأضداد ، والاتزان هو الموقف الوحيد الذي يسمح بالنظر إلى الظواهر دون تقييمها 
الحل الوسط ليس حلاً أبداً إذ أنه لا يمثل التوازن المطلق بين قطبين ، ولا يمتلك القوة على التوحيد ، الحل الوسط يعني نزاعاً دائماً وبالتالي ركوداً 
كل صراع معاش يعلم الانسان فوق ذلك التعاطي مع الصراعات عموماً بشكل أفضل وأكثر شجاعة ، ولا بد للنفس من تقديم تضحية كافية عند اتخاذ القرار 
يعرف معظم الآباء أنه بعد اجتياز أطفالهم لمراحل مرضية معينة يشعرون بقفزة من النضج أو النمو عندهم ، حيث لا يعود الطفل هو نفسه قبل المرض ، فالإنسان يخرج من كل صراع أكثر نضجاً 
الحرب أبو الأشياء كلها ، الحرب والصراع  وتوتر القطبين تمد بطاقة الحياة وبالتالي فيهي وحدها التي تضمن التقدم والتطور
لا تنشأ المشاكل إلا عندما يستثمر شخصان شراكتهما بشكل مختلف ، وذلك بأن يعالج أحدهما إسقاطاته ويستردها ، في حين يتعثر الآخر تماماً ويبقى عالقاً في اسقاطاته ، عندئذ سوف يحين الوقت الذي يغدو فيه أحدهما مستقلاً عن الآخر بينما قلب الآخر يتحطم ، أما في حال بقي الاثنين عالقين في الإسقاط ، فإننا نشهد حباً حتى الموت
كل قرار يحرر ، ولكن الصراع الدائم المزمن يسحب الطاقة باستمرار ، الأمر الذي يقود من الناحية النفسية أيضاً إلى الفتور وفقدان الدافع وصولاً إلى الركود والاستسلام ، ولكن عندما نعقد العزم ونهتدي إلى أحد قطبي الصراع ، سرعان ما نشعر بالطاقة المتحررة جراء ذلك لتخرج النفس من كل صراع قوية ، إذ أنها قد تعلمت جراء العراك مع المشكلة ووسعت حدودها جراء الاشتغال بالقطبين المتعارضين وبالتالي أصبحت أكثر وعياً ، ولنعلم أن  من كل صراع معاش نجني ثمرة هي عبارة عن معلومة وعي تؤهل الإنسان إلى المناعة النوعية للتعاطي في المستقبل مع المشكلة ذاتها بطريقة آمنة
الإدراك يعني معرفة الحقيقة ، وهذا لا يمكن أن يحصل إلى أن يتعرف المرء إلى نفسه في كل ما يدركه ، وبقدر ما  تعود أعضاء الحواس تعمل بشكل صحيح ، يتعلم الإنسان النظر إلى الداخل ، والإنصات إلى الداخل والاستماع للداخل ، ويغدو مجبراً على العودة إلى أفتكار ووعي الذات
فقد السمع عبارة عن دعوة إلى الإصغاء نحو الداخل وإطاعة الصوت الداخلي ، ولا يصاب بالصمم إلا من يصم أذنيه عن صوته الداخلي لمدة طويلة
حينما يتم توحيد الأضداد على المستوى الجسدي فقط ، تكون حالة الوعي الناتجة ( الرعشة ) محدودة زمنياً ، إذ إن مستوى الجسد خاضع لقانون الزمن
إن أسرع الطرق للخروج من أية وضعية هي التوغل كلياً فيها ، بيد أن جبن الإنسان غالباً ما يقعده عن هذه الكلية ، ولذلك يبقى معظمنا عالقاً في قلب أحد القطبين 
المشاكل غير موجودة كي تحل ، فهي الأقطاب التي يتولد بينها التوتر الضروري للحياة ، الحل يكمن فيما وراء القطبية ، ولكن الوصول إلى هناك يقتضي من المرء توحيد الأقطاب ، التوفيق بين الأضداد 
من لا يريد أن يفتح وعيه لصراع قد يثيره بشدة ، لا بد له بدلاً من ذلك من فتح جسمه للعوامل المثيرة ، وتستقر هذه العوامل في نقاط ضعف الجسم 
الجسد تعبير مرئي ومنظور عن الوعي ، كما هو المنزل تعبير مرئي ومنظور عن فكرة الباني 
عن طريق النظر بوعي قطبي يتحول تزامن الوجود إلى تعاقب ، ومفهوم الأبدية يعني انعدام الزمن بالمعني الميتافيزيقي ، وليس استمرارية في الزمن لا نهاية لها ، فكل طريق إلى السلامة أو إلى الاستنارة هو طريق من القطبية إلى الوحدة ، وعدم الفعل هو سلفاً قرار ضد الفعل ، وعدم القرار هو قرار ضد القرار ، لذا يجب أن ندرك أن المرض هو القطبية والشفاء هو التغلب على هذه القطبية ، والحب هو الجهة القادرة وحدها على التغلب على القطبية وعلى توحيد الأضداد ، الحب يستهدف بالدرجة الأولى نفس الآخر ، لا جسده ، والجنسوية ترغب في جسد الآخر
إن أقل تصور عن الخير والشر يدخل روحنا في الارتباك والبلبلة ، كل تقييم يقيدنا إلى عالم الأشكال ويقود إلى الأسر ، وما دمنا مأسورين لا يمكننا الخلاص من الشقاء والألم ونظل خاطئين غير سليمين ، ويستمر توقنا أيضاً إلى عالم أفضل ومحاولتنا تغيير العالم ، فكون الإنسان يعتقد بعدم الكمال للعالم ، وهو لا يلاحظ أن غير الكامل هو نظرته فقط التي تمنعه من رؤية الكل ...
التعليم الايزوتري القديم يقول بتساوي العالم الأصغر ( الجسد ) مع العالم الأكبر ( الكون ) ، وهي صحيحة تماماً لأن الأنا هي الوهم الذي لا يوجد كحدود مصطنعة إلا في الوعي ، وذلك إلى أن يتعلم الإنسان التضحية بهذه الأنا ليختبر متفاجئاً أن حالة الوحدة الرهيبة هي في الحقيقة حالة الكل الواحد
في الوحدة لا وجود للتغير ولا للتحول أو التطور ، لأن الوحدة لا تخضع للزمان ولا المكان ، فالكل الواحد هو في سكينة أبدية ، إنه وجود خالص دون شكل ودون فعالية ، الوحدة هي قطبية القطبية ، فالمرء لا يجد الوفرة والامتلاء إلا في اللاشيء ... هذه هي الحقيقية و الحقيقة مؤذية ومثيرة للاستياء أياً كان اللسان الذي ينطق بها ،

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق